ابن عطية الأندلسي

466

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ . . . . هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد اللّه فيه ، وذلك يحتمل موطن القسم ، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه ، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم أيضا وقال الطبري : أَخَذْتُمْ في هذه الآية معناه : قبلتم ، و « الإصر » : العهد ، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك ، وقوله تعالى فَاشْهَدُوا يحتمل معنيين : أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم ، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد ، هذا قول الطبري وجماعة ، والمعنى الثاني ، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به ، وشهادة اللّه تعالى هذا التأويل ، وفي التي في قوله وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم ، هذا قول الزجّاج وغيره . قال القاضي أبو محمد : فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها ، والقول الثاني هو الأمر بأدائها قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 82 إلى 83 ] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 82 ) أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 ) وحكم اللّه تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق ، قاله علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله ، فَاشْهَدُوا أمر بالأداء وقرأ أبو عمرو : « يبغون » بالياء مفتوحة ، و « ترجعون » بالتاء مضمومة ، وقرأ عاصم ، « يبغون » و « يرجعون » بالياء معجمة من تحت فيهما ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما ، ووجوه هذه القراءات لا تخفى بأدنى تأمل وتبغون معناه : تطلبون ، و أَسْلَمَ في هذه الآية بمعنى : استسلم عند جمهور المفسرين ، و مَنْ في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين ، واختلفوا في معنى قوله طَوْعاً وَكَرْهاً فقال مجاهد : هذه الآية كقوله تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * [ الزمر : 38 ] فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرها . قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا عموم في لفظ الآية ، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و أَسْلَمَ فيه بمعنى استسلم ، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع ، وعبارته رحمه اللّه : كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن اللّه ربي وأنا عبده ، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها ، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعا ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ الميثاق ، وروي عن مجاهد أنه قال : الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعا ويسجد الكافر وهو كاره ، وقال الشعبي : الآية عبارة عن استقادة جميع البشر للّه وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره ، وذلك هو الذي يسجد كرها . قال الفقيه الإمام : وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات ، وقال الحسن بن